ابن الجوزي

192

زاد المسير في علم التفسير

والثالث : أنه قدس مرتين ، قاله الحسن وقتادة . قوله تعالى : * ( وأنا اخترتك ) * أي : اصطفيتك ، وقرأ حمزة ، والمفضل : " وأنا " بالنون المشددة " اخترناك " بألف . * ( فاستمع لما يوحى ) * أي : للذي يوحى ، قال ابن الأنباري : الاستماع هاهنا محمول على الإنصات . المعنى : فأنصت لوحيي ، والوحي هاهنا قوله : * ( إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ) * أي : وحدني ، * ( وأقم الصلاة لذكري ) * فيه قولان : أحدهما : أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة ، سواء كنت في وقتها أو لم تكن ، هذا قول الأكثرين . ورى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ، لا كفارة لها غير ذلك ، وقرأ : * ( أقم الصلاة لذكري ) * " . والثاني : أقم الصلاة لتذكرني فيها ، قاله مجاهد : وقيل : إن الكلام مردود على قوله : * ( فاستمع ) * ، فيكون المعنى : فاستمع لما يوحى ، واستمع لذكري . وقرأ ابن مسعود ، وأبي بن كعب ، وابن السميفع : " وأقم الصلاة للذكرى " بلامين وتشديد الذال . قوله تعالى : * ( أكاد أخفيها ) * أكثر القراء على ضم الألف . ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال : أحدها : أكاد أخفيها من نفسي ، قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد في آخرين . وقرأ ابن سعود ، وأبي كعب ، ومحمد بن علي : أكاد أخفيها من نفسي ، قال الفراء : المعنى : فكيف أظهركم عليها ؟ قال المبرد : وهذا على عادة العرب ، فإنهم يقولون إذا بالغوا في كتمان الشئ : كتمته حتى من نفسي ، أي : لم أطلع عليه أحدا . والثاني : أن الكلام تم عند قوله : " أكاد " ، وبعده مضمر تقديره : أكاد آتي بها والابتداء : أخفيها ، قال ضابئ البرجمي : هممت ولم أفعل وكدت أراد : كدت أفعل . والثالث : أن معنى " أكاد " : أريد ، قال الشاعر : - كادت وكدت وتلك خير إرادة * لو عاد من لهو الصبابة ما مضى - معناه : أرادت وأردت ، ذكرهما ابن الأنباري . فإن قيل : فما فائدة هذا الاخفاء الشديد ؟ فالجواب : أنه للتحذير والتخويف ، ومن لم يعلم متى يهجم عليه عدوه كان أشد حذرا . وقرأ